حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
406
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
اخترناه في ذلك الوقت ، ويجوز أن ينتصب بإضمار « اذكر » استشهادا على ما ذكر من حاله كأنه قيل له : اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ من باب الالتفات ، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال : إذ قلنا له ، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها ، فلما عرف ربه قال له أسلم ، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه . ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال ، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم « نطق الحال » قال تعالى أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [ الروم : 35 ] فجعل دلالة البرهان كلاما ، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] أو المقصود الانقياد لأوامر اللّه تعالى والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان . وقيل : الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح ، وإن إبراهيم عليه السلام كان عارفا باللّه تعالى بقلبه فكلفه اللّه تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح . وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب ، وطريق عرفان محمد صلى اللّه عليه وسلم عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من اللّه فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] والأول طريق حسن سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] لكن الطريق الثاني أحسن أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] ومن هنا يعرف أكملية محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته ، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة . وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 31 ] فألف إبليس دليل عدم الاستقامة إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [ البقرة : 34 ] والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [ البقرة : 124 ] تركيب الخلة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] اسم الشدة وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ الشورى : 26 ] ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم عليه السلام واسطة في الطريقة أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ النحل : 123 ] والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله ، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين